------------ --------
Share |

صناعة الروائع








في لقائين سابقين لي مع القراء الكرام تحدثناـ بعض القراء المتابعين مع الكاتبة ـ عن بعض ما يظهر لنا من نتاج مرئي على شاشات التلفاز، والاستسهال والاستهبال الذي اصبح لوحده غاية وهدف منتجي هذه الاعمال في تخدير وتغيب الوعي العام .

اذا كان للعثرات تبريرات لا تنتهي فأن للشواهد الحية من الانتاج الجيد ما يدعو لاستحضارها والمحاججة بها. منها الفلم الذي تناوله المقال الماضي وفاز بجائزة الدب الذهبي المرموقة لسنة 2003 والذي حمل عنوان في هذا العالم للمخرج الانكليزي الشاب ميشيل ونتربوتوم.. لم تكن قصته تتعدى رغبة شاب أفعاني مغمور في الهجرة الى اوربا مصطحبا اخاه الصغير وتمر رحلتهما بالعديد من المطبات والمفارقات ثم يواجه الشاب بها مصيره المأساوي ليكمل فيما بعد الاخ الاصغر الطريق الطويل لوحده. الفلم الذي عكس جوانب من حياة الافغان والشعوب المجاورة لها كان ذا هدف وثيمة اعجبت النقاد والمشاهدين في نفس الوقت. اذكر وقتها في المؤتمر الصحفي الذي حضرته سؤالاً ذكيا وجهه احد الصحفيين لميشيل ما الذي يريده من هذا الفلم .. فأجاب المخرج الخجول..اريد ان أغير العالم فتعالت صيحات الاعجاب وصفق له الحاضرون .هناك من يريد ان يغير العالم بفنه.

لم تخصص للفلم ميزانية فخمة لم يتضمن لقطات مبهرة مثل تلك التي غرقت بها الافلام الامريكية . لم يكن به نجوم كبار لكنه كان فلماً حوى رسالة انسانية وتناول قصة من واقع الحياة وعكسها بصدق .. حتى انهم سألوه وقتها ان كان قد تعمد وضع صورة اسامة مع بوش قال لا لقد كانت الصورة معلقة على الحائط ولم ارغب بتغير شيء اردت ان يعرف العالم الحقيقة التي تحصل هناك كما هي.


بالكذب والمراوغة بالخداع وكم المساحيق من النفاق والتملق لا تصل اعمالا مهما تم تمويلها لأبعد من بضعة عروض هنا او هناك . تمتاز جوائز برليناله المهمة باختياراتها الثقافية والانسانية وعنايتها بالمواضيع الجادة والمهمة. فهي بالحقيقة جوائز ادبية وفكرية لأشرطة سينمائية. وتكاد تغري سياستها نظيراتها من المهرجانات العالمية وفي مقدمتها جائزة كان عام 2004 التي منحت لفلم مايكل مور فهرنهايت 11/9 . فما الذي تبقى من عذر للاعمال المنتجة عربيا لتصطف الى جانب مثيلاتها العالمية وتحقق ما تحققه.



في ملحمته الشعرية المصورة يأخذ النجم الايطالي العالمي روبيرتو بيبنني بيد المشاهد الى افاق عديدة في اداء تلقائي مبهر ولحظات تتسارع معها نبضات القلب لا تترهل هنا او هناك وهو يحاول قدر المستطاع الامساك بخيوط الكارثة المتشابكة والمعقدة واستعراضها بحيادية قدر الامكان.
موظفا بمهارة بالغة التفاصيل اليومية لحياته الخاصة التي تداخلت رغما عنه مع حرب العراق من حيث لا يدري بعدما ذهبت حبيبته وزوجته(نيكولتا براشي) لهناك كي توثق حسب رغبتها الشخصية حياة الشاعر العراقي فؤاد (النجم الفرنسي جون رينيو) الذي امضى بغربته في فرنسا 18سنة وتربطه باستاذ الشعر (روبيرتو ) صداقة حميمة، وعاد الى بلاده بعد رحيل نظام صدام .. عرض لنا الفلم الحياة حيث لم تزل الجداريات المرسومة له على حالها والبلد تسودها الفوضى . السلب والنهب في كل مكان والمستشفيات تعج بالمرضى والمصابين والخدمات معدومة والمرأة التي جاء لانقاذها بعد سماعه خبر اصابتها تعاني من غيبوبة والطبيب لا يستطيع انقاذها لعدم توفر العلاج .تسأل كم بقى لها فيقال له اربع ساعات لكن هذا الشاعر يرد بانه وقت طويل كفاية لانقاذها ويخرج باحثا عن وسيلة تأخذه الى منظمة الصليب الاحمر الايطالية لحمل الدواء لانقاذها وفي كل خطوة هناك حدث ما واشارة ما وتضمين ذكي لحقيقة تعني المتلقي وتطلعه عما يدور ودار هناك.
في ادائه الخيالي ،المفعم بالشاعرية و الخصوصية سجل لنا وثيقة مهمة عن احتلال بلد، وما اتت به الحرب من ويلات يحلو للمستفيدين والمستفيدات من دماره تسميته بالتحرير للأسف متجاهلين محنة شعب وضحاياه ، ولا يعنيهم ما اصابهم ويصيبهم كل يوم من جرائها . عادين ذلك انتصارا !.

لم يحضى الفلم الذي مثله بيبنني في عام 2005 باهتمام اعلامي يليق به قد يعد الفلم الى الان النسخة الوحيدة من الافلام العالمية التي تناولت موضوع غزو العراق بشكل مباشر، وبالصراحة والموضوعية التي ظهرت بها ربما بسبب السياسة الاستفزازية التي مارستها ادارة الرئيس الامريكي السابق بوش من تكميم الأفواه والاجبار بالترهيب والترغيب مرغما الكثير الاصطفاف الى جانبه . الفلم كان جريئاً وصادقاً عكس رسالة الفنان العالمي الذي حصد ارفع الجوائز السينمائية في دفاعه عن القيم الانسانية ودعوته الصادقة في طرح المظالم والفضائع التي حصلت وتحصل في عالمنا، فبعد رائعته الحياة جميلة والتي لم تكن أكثر روعة من النمر والثلج ، وتفوقه بالأولى في عرض مأسي اليهود في سجون النازية البشعة ولمحاته الذكية التي اعادت للذاكرة مرارة الويلات التي لقيها الناس في سجون النازية ومصيرهم المرعب. عاد بفلمه النمر والثلج ليوثق مأساة العراق المعاصرة ويسبح ضد التيار الذي ظل حتى رحيل بوش وطي صفحة حكمه لأمريكا يطبل ويزمر معتبراُ هذا الدمار والتمزق انتصاراً ومكسباً ونقلة لشعب نحو اجواء الديمقراطية والمستقبل المشرق الذي ما زالت شمسه غائبة .

الفلم بأيقاعه السريع ، وذكاء صانعيه يحتاج الى تحليل ودراسة وتفصيل لا يتسع له مقال قصير مثل هذا . فلما نجح روبيرتو بيبنني ولم نرى مثل هذا النجاح في اعمال عراقية وعربية. اخرجت مصر مسلسلا عن الحرب قامت ببطولته الممثلة الجادة تيسير فهمي للأسف الشديد وهو وصمة عار على جبين الدراما المصرية والعربية .. وينفع ليكون احد الاعمال التي تتحدث عن العصابات واللصوصية لا عن حرب بحجم احتلال العراق.

حضى فلم النمر والثلج رغم كل التعتيم الاعلامي في الغرب بنجاح جماهيري واسع. لان الناس هناك تتبع حدسها وتصل الى قراراتها وقناعاتها احيانا كثيرة باطلاعها على مجريات الاحداث، وهي التي أدانت بوش ،وحربه الارتجالية ففي بلد مثل المانيا وقف 96% من الالمان يرفضون خيار الحرب ولذا لا يستطيع احد خداعهم بعد اندلاعها و عرض صورها الرهيبة بانها كانت ضرورية او مبررة ،وانها حسنت من وضع العراقيين الا ان واقع حالهم يقول بانهم موزعون بين ارامل وايتام ومهجريين .

بعد هذا كله يجد المرء نفسه امام مواجهة تدفعه الى معرفة أسباب الضعف .بسلسلة اسئلة ملحة تجتمع للبحث عن مكامن الخلل؟.


هل هو في عقدة النقص التي تلازم العاملين في هذه المجالات وعدم قدرتهم على تجاوزها ،والاكتفاء بالانبهار بكل ماتصنعه السينما العالمية والتباهي فقط بمعرفتها.

أم في الحاجز النفسي الذي ترسب حتى ترسخ في نفوس القائمين على هذه الصناعات من كتابة الى انتاج الى اخراج الى تمثيل بانهم دون الاخرين بكثير وان مجرد التفكير في تقديم اعمال مماثلة ضرب من الخيال والمبالغة

تراه في انعدام الكفاءات والمواهب وبقاء هذه الصناعة معتمدة على الهواة رغم مرور قرن او يزيد على بدء الصناعة السينمائية ،و ما يزيد عن النصف قرن على الانتاج التلفزيوني مع وجود الكم الهائل من المنتوج الدرامي من مسلسلات تلفزيونية .

عله في انعدام الخبرات والاجهزة . انعدام الحرية . انعدام الرؤية الواضحة لمتطلبات المجتمعات الانسانية المحلية والعالمية وتتابع التطور الذي وصلت اليه واحتياجاتها وما يمثل اهتماماتها وما يستحق متابعتها ويستحوذ عليه.
ان لم يكن لا هذا ولا ذاك ويدعي البعض ان الاعمال تتناول ما يحصل في الشارع والمجتمع، فلما تنفر الناس من التكرار والمط ، وتتابع بلهفة المسلسلات التركية التي رغم هيافتها تبقى في نظر المشاهد خياراً متقدم على ما يقدمه ابن بلده .. كل هذه الاسئلة تحتاج الى اجابات والى تأمل .

د. شــذى



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

-----
Share |
------