------------ --------
Share |

لا تترك جريدتك



يتذكر عندما كان فتى يانعا قريبه الذي طالما أثار فضوله. لا يشبه احد من أقربائه . يتحدث بنفس لغتهم صحيح لكن جمله كانت تعد بعناية وتسلسل تأسره وتحيره مثل عيون الآخرين التي تظل صامتة بعد انتهاءه من الحديث.

كانت زوجته تختلف عن باقي النسوة. ترتدي أجمل الملابس وأزهاها لونا ،وتترك شعرها الأسود الطويل ليغطي ظهرها ويعجبه كيف كانت ترده عندما تساعد باقي النسوة في أعداد الطعام.
يتذكر كيف لاكته الألسن ذات يوم لما طوق زوجته وقبلها في مراسيم عزاء اقتضت غيابها عنه عدة أيام وفق العرف السائد لتساعد في استقبال وتوديع المعزين. فلم يقوى على أخفاء شوقه ولهفته لحضنها ورغبته بها. كان صغيرا وسمع كل ذلك.
في ذاكرته الكثير عن ذلك القريب لكن ألحت عليه أخيرا بعضها. عجيب أمر الذاكرة تسرح أينما تريد وتغزل خيوطها حسبما تشاء.
تذكر اليوم الذي حمي فيه وطيس المشادة الكلامية بين قريبه و أخته. راحت الأخت تشتم بعصبية لينين . ستالين .. خروشوف.. فهد .. كل ما يعرفه العامة من الأسماء الشيوعية اللامعة. سبتهم بكل الكلمات الدارجة ، وكعادته بقي القريب مصدر الدهشة ساكتا. لم يرد على صراخ أخته التي تعمل مثل كثير من النساء غير المتعلمات حارسا و أم رءوم لكل الراسب والراسخ في الحياة بمثل ما شتمته به . لم يرفع صوته لم يتصبب عرقا. بل نظر إليها ورد بهدوء: يكفيهم شرفا انك في أقاصي الأرض تذكرينهم الآن. و أدار وجهه وخرج.

لما يذكر قريبه اليوم هناك حادثة رواها هذا القريب وجدها قريبة من الأحداث. روى القريب الكثير الذي ما كان يستطيع تميزه وفهمه لصغر سنه .لكنه فهم سلوكا كان يفخر به ذلك القريب ورفاقه. سلوكا حضاريا. كانوا إذا ما صدر عددا من جريدتهم طريق الشعب قراؤه وما أن ينتهوا من قراءته يستقلون الحافلات العامة وقبل مغادرتها يتركون الجريدة على المقعد يأملون باطلاع من يجدها عليها لمعرفة كيف يفكرون وينشرون مبادئهم ويتحدون التعتيم . رغم الملاحقة والموت والتنكيل الذي ما خلت منه حقبة من حقب حكم العراق. كان الشيوعيون يفكرون هكذا على الأقل سمعها هو من قريبه الشيوعي . كانوا يراهنون على وعي الناس وانتشار أفكارهم حتى ولو بغفلة من جحيم الملاحقة والمطاردة والمنع والتنكيل.
هل اختلفت الظروف اليوم. هل نحتاج من جديد لدروس مثل هذه ؟. اليوم هناك الكثير على ما يبدو مبذولا وسهل الوصول إليه. لا يملك الحاكم حزبا أم دكتاتورا. عصابة أم قوى احتلال منع تدفق المعلومات . فما المشكلة؟.
لعل الخطر الأكبر يكمن في طريقة عرضها. تنبهت قوى الاحتلال المسيطرة على العراق اليوم متمثلة بحكومة المنطقة الخضراء إلى هذه الحقيقة منذ زمن بعيد ، فعملت على استغلالها أفضل استغلال فتحت عشرات المواقع الالكترونية لتسوق لانجازاتها غير المنجزة. لتبقي العراقي يدور في فلك الماضي وقهره والمعادلة التي تقضي اما أنت معنا أم مع النظام السابق. حجمت وكممت و أخرست خيرة الأصوات. وتمت تصفية الكثير من الذين فضحوا مخططاتهم. وتشتت في المهجر البعض الآخر. لكن كل هذا لم يكن كافيا. حتى المنابر الثقافية التي تم إنشاؤها للتصدي لهذا الاحتلال الجديد تم التحايل عليها والتسرب إليها .إما بأقلام تكتب لها من المأجورات والمأجورين والذين لا هم لهم الا اللطم والبكاء على قتلانا بزمن النظام السابق لكن ما يقتل منا كل يوم فذلك اعتراضا على وصولهم لسدة الحكم. وثمنا يدفعونه هم للعراق الديمقراطي الحر. فليتهم أعفوا العراق من هذا الثمن الباهض و رحلوا.
لو قمت بمسح بسيط لمواقعهم ستجدهم قد انشئوا الكثير من وكالات الأنباء، والمئات من المواقع الالكترونية بمسميات مختلفة من صحف إلى مواقع أدبية إلى .....الخ . وكلها مغلقة لهم ولفكرهم ولأنصارهم.

في المقابل لا يتركون المواقع الأخرى بسلام. فهم ينقضون عليها بالتخريب والقرصنة فور بدء ملاحقتهم لأصحابها، او يخترقونها اما بالكتابة او بالتعليق لغرض تسفيه المواقع و إسقاط كتابها او مزاحمتهم متخذين من شعار تلك المواقع سلاحا لطعنها. فمواقع تؤمن بالرأي الأخر تفتح أبوابها لأرائهم التي لا تخرج بأحسن الأحوال عن أراء تنقص من قدر الموضوع والكاتب والنيل منه. وقنواتهم الفضائية وكل وسائلهم الإعلامية ليست بمنأى عن ذلك .

ان الإجراءات التعسفية التي ينقلها على النت الشباب المتعطش للثورة في العراق كل دقيقة تعكس حقيقتهم وتفضح سياستهم التي طالما زوقوها بالشعارات الطنانة والنصوص والخطب الدينية.

هم يتبعون سياسة الحصار والتضيق والتصفية الفكرية بأفضل صورها وبمواظبة قل نظيرها. ولان لا انجازات حقيقة لهم تذكر على أرض الواقع فتجدهم يمارسون أعمالهم على النت كوظيفة أساسية.

على المنابر الفكرية الرصينة والتي شيدت بنيانها بأسماء وأهداف نبيلة الالتفات لهذه التصفية الفكرية وهذه الحرب الشعواء.وعليها حماية أركان ثورتها من سوس التخريب الذي يتسلل بكل الوسائل وبإصرار ليصل إلى هدفه الأخير في الإجهاز عليها.
عليها حماية كتابها و أهدافها . وتفعيل مهمة الملاحقة التقنية للمخربين وتشخيصهم. واتخاذ خطوات المواقع الأكثر شهرة وشعبية في التعامل معهم فموقع مثل الفيسبوك . وتوتير ، ويوتيوب يتيح للمستخدم خدمة حذف التعليق المسيء وبهذا يشعر المستخدم بالارتياح لان كرامته مصانة. فلا يهاجم من قبل أعداء الكلمة وخصوم الفكر مثلما يحصل معه في الكثير من المواقع العربية .

في تاريخ العراق الحديث هناك صورا مشرفة لنضال القوى التقدمية منها قصة الشيوعي الذي ورد ذكره في بداية المقال. اليوم ليس المطلوب منك ان تترك جريدتك لان ما تقوله سوف يجد طريقه للآخرين قلة اليوم يزدادون غدا. يفرح الظلاميون بالتعتيم عليهم. يراهنون على طول نفس النخبة النبيلة الطموحة للنهوض بالإنسان إلى حياة أفضل ليس هذا مهم.
المهم معرفة النخبة الخيرة بما يفكر به أعداء الفكر والحرية. سراق إرادة وثروة الشعوب. المغيبين لوعيه بممارسات متخلفة للبقاء في دفة الحكم أطول مدة ممكنة.
المهم أن لا يتركوا انجازاتهم مشرعة الأبواب يعيث بها خصومهم وأعداء الفكر والكلمة فسادا.
قد لا يطلب من المواقع الجادة والكبيرة ترك جريدتها للقراءة
لكن مطلوب منها أن تترك بصمتها الحازمة في إدارة الأمور
مطلوب منها احتضان انجازاتها والحفاظ على ثروتها سمعة ونجاحا... من تسلل المخربين الذين لا يعرفون غير الموت و الإقصاء لغة .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

-----
Share |
------